اسماعيل بن محمد القونوي
441
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
من أن الأمي من لا يكتب ولا يقرأ منسوبة إلى الأم بمعنى أنه بقي بلا علم كما ولدته أمه أو إلى أمة العرب أو إلى أم القرى فإنهم لا يكتبون ولا يقرؤون والمعنى الأول هو الظاهر المعول عليه لإطراده في جميع الأميين من أمة العرب وغيرها قوله جهلة تفسير باللازم في الأكثر فقوله لا يعلمون الكتاب صفة كاشفة مفيدة للذم ويحتمل أن يكون للتخصيص إذ الجاهل قد يعلم الكتابة بين اللّه تعالى أنهم موصوفون بوصفين مذمومين الجهل وعدم عرفان ( الكتابة ) « 1 » وأشار بقوله الكتابة إلى أن الكتاب مصدر كتب كتابة أي خطا خطا ( فيطالعوا التورية ) بإسقاط النون جوابا للنفي كقوله ما تأتينا فتحدثنا والمعنى جهلة لا يجتمع فيهم معرفة الكتابة ومطالعة التورية بانتفاء كل واحد منهما ( ويتحققوا ما فيها ) عطف على فيطالعوا أي حتى يتيقنوا ما في التورية فيعملوا بمقتضاه واعتبار مطالعة التورية في هذا الوجه منفهم من سوق الكلام لأنه مسوق لذم أصحاب التوراة على وجه الإتمام وأنت خبير بأن سببية معرفة الكتابة لمطالعة التورية كما هو مقتضى كونه جوابا للنفي منظور فيها فتأمل « 2 » . قوله : ( أو التورية ) عطف على الكتابة أي المراد بالكتاب يجوز أن يكون التورية أيضا بقرينة ذكره في بيان أحوال اليهود « 3 » فإن المتبادر من الكتاب في الشرع وإن كان هو القرآن لكن عند ظهور القرينة يراد به غيره فحينئذ الكتاب يكون بمعنى المكتوب وقد مر تفصيله في أول السورة قدم الاحتمال الأول أما أولا فلأنه هو الملائم للتعبير بالأميين كما عرفت من أن الأمي من لا يكتب ولا يقرأ وأما ثانيا « 4 » لأنه يستلزم نفي العلم بالتورية بالبرهان لأنهم إذا لم يعرفوا الكتابة وأثرها لا يعلمون التورية بالطريق الأولى والمراد بالكتابة هو الحاصل بالمصدر لا نفس المصدر أي الأثر الحاصل بالكتابة كما أشرنا إليه فعدم علمها بهذا المعنى مستلزم لعدم العلم بالتورية فيصح تفريع فيطالعوا عليه وسببيته له فاندفع ما قيل إنه في التفريع نظر فإن مدار المطالعة على معرفة القراءة لا على معرفة الكتابة وجه الاندفاع هو أن المراد بالكتابة أثر الكتابة كما عرفت فحينئذ لا شك في صحة التفريع ولا حاجة إلى أن يقال الكتب في العرف « 5 » ضم الحروف بعضها إلى بعض في الخط وقد يقال ذلك للمضموم بعضها إلى بعض في التلفظ ولهذا يسمى كتاب اللّه وإن لم يكتب كتابا لأنه تكلف ولا يلزم من عدم القدرة على الكتب أي جمع الحروف المقروة عدم القدرة على التكلم أصلا « 6 » فإن القراءة تكلم خاص ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم استثناء منقطع لأن ما
--> ( 1 ) واعلم أن بعضهم فسر الأمي بمن لا يعرف الكتابة كالمصنف وبعضهم فسروه بمن لا يحسن الكتابة كالزمخشري ولا فرق بينهما مآلا لأن من لا يحسنها كمن لا يعرفها في عدم الاعتبار . ( 2 ) لما عرفت من أن الجاهل قد يعلم الكتابة . ( 3 ) وبه يندفع ما قاله أبو السعود من أن حمل الكتاب على الكتابة يأباه سياق النظم الكريم . ( 4 ) دفع لما يقال من أن الأمي لا يقرأ من الكتاب لا من لا يقرأ أصلا فعلى تقدير حمل الكتب على الجمع في اللفظ يلزمهم أن لا يكونوا قادرين على التكلم أصلا . ( 5 ) احترازا عن أصل اللغة فإنه فيها ضم أديم إلى أديم بالخياطة . ( 6 ) كما كان الأولى الأباطيل بدل الأكاذيب .